الشركة السورية للخدمات اللوجستية المتكاملة - سيلك

SILC

سيلك
أهمية الإدارة الصحيحة لسلاسل الإمداد في سوريا في مرحلة إعادة الإعمار

بقلم طريف عبد القادر سحاري

أهمية الإدارة الصحيحة لسلاسل الإمداد في سوريا في مرحلة إعادة الإعمار

لا تقتصر إعادة الإعمار على تشييد المباني وإصلاح الطرق والمنشآت، بل تعتمد قبل كل شيء على القدرة على إيصال مواد البناء، والطاقة، والمعدات، وقطع الغيار، والأدوية، والمواد الغذائية إلى المكان الصحيح، في الوقت المناسب، وبالتكلفة المناسبة. ولهذا فإن كفاءة سلاسل الإمداد ستكون من أهم العوامل التي تحدد سرعة التعافي الاقتصادي في سوريا وجودته.
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنظر إلى حجم الأضرار المتراكمة؛ إذ قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، مشيراً إلى أن البنية التحتية كانت الفئة الأكثر تضرراً، وشملت قطاعات النقل والطاقة والمياه والاتصالات. وهذا يعني أن ضعف الإدارة اللوجستية قد يؤدي إلى تأخير المشاريع، وارتفاع تكاليفها، وهدر الموارد المحدودة المتاحة لإعادة الإعمار.

- من الكفاءة إلى المرونة
أحدث التوجهات العلمية في إدارة سلاسل الإمداد لم تعد تركز على تخفيض التكلفة وحده، بل على بناء سلاسل تتصف بالمرونة والقدرة على التكيف والاستجابة السريعة للصدمات.
وتشير مراجعة علمية حديثة شملت 294 بحثاً محكّماً إلى أن الإدارة الفعالة للمخاطر، والتصميم المرن للشبكات، واستخدام التحليلات الرقمية والتوائم الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبحت من أهم ركائز سلاسل الإمداد الحديثة. وتساعد هذه الأدوات على مراقبة العمليات، واكتشاف الاختناقات مبكراً، وتجربة السيناريوهات البديلة قبل حدوث الأزمات.
وفي الحالة السورية، يتطلب ذلك الانتقال من إدارة كل شحنة أو مشروع بصورة منفصلة إلى إدارة شبكة وطنية متكاملة، تشمل الموانئ والمعابر الحدودية والطرق والسكك الحديدية والمستودعات وشركات النقل والموردين والجهات الحكومية.

- ما الذي تحتاجه سوريا؟
تحتاج مرحلة إعادة الإعمار إلى تحديد سلاسل الإمداد ذات الأولوية، ولا سيما سلاسل الطاقة، والإسمنت والحديد، والآليات وقطع الغيار، والغذاء والدواء، ثم إعداد خطط بديلة للموردين والمسارات والمخزون الاستراتيجي.
كما تحتاج البلاد إلى منصة رقمية موحدة تربط الشحنات والمستودعات والمعابر والموانئ، وتوفر بيانات لحظية عن الكميات والمواقع وأوقات الوصول والطاقة التخزينية. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التتبع الفوري، وأنظمة تحديد المواقع، وإنترنت الأشياء، والتحليلات التنبؤية، ورقمنة الإجراءات الحدودية تساعد على زيادة شفافية سلاسل الإمداد وقدرتها على الاستجابة للاضطرابات.
إلى جانب ذلك، يجب تبسيط إجراءات التخليص الجمركي، وتوحيد المواصفات، وتحسين الشفافية في المشتريات والعقود، واعتماد مؤشرات أداء واضحة تقيس زمن النقل، وتكلفة الطن، ونسب التأخير، والاستفادة من الشاحنات والمستودعات.

- فرصة تاريخية لموقع سوريا
تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً استثنائياً، فهي تقع بين العراق ودول الخليج شرقاً، والبحر المتوسط وأوروبا غرباً، وبين تركيا شمالاً والأردن وشبه الجزيرة العربية جنوباً.
وفي ظل التوترات المتكررة في البحر الأحمر وقناة السويس ومضيق هرمز، أصبحت الشركات والدول تبحث بصورة متزايدة عن تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على ممر واحد. وقد أظهرت بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن حركة السفن عبر قناة السويس ظلت في مايو/أيار 2025 أقل بنحو 70% من مستويات عام 2023، بينما يمر عبر مضيق هرمز جزء بالغ الأهمية من تجارة الطاقة والتجارة البحرية العالمية.
ولا يعني ذلك أن الممرات البرية السورية يمكن أن تحل بالكامل محل النقل البحري، لكنها تستطيع أن تشكل مساراً مكملاً وسريعاً لبعض أنواع البضائع والطاقة والشحنات ذات الحساسية الزمنية، وأن تربط العراق والخليج بالموانئ السورية والبحر المتوسط، وصولاً إلى الأسواق الأوروبية.
ولتحويل هذه الميزة الجغرافية إلى قيمة اقتصادية حقيقية، لا بد من تأهيل الطرق والموانئ والمعابر، وتوفير الأمن والاستقرار، وإنشاء مراكز لوجستية ومستودعات استراتيجية، وتطبيق نظام عبور موحد وشفاف، إضافة إلى عقد اتفاقيات نقل وترانزيت مع دول الجوار.

و باختصار فإن الإدارة الصحيحة لسلاسل الإمداد ليست خدمة مساندة لعملية إعادة الإعمار، بل هي جزء أساسي من بنيتها ونجاحها.
وكل استثمار في التخطيط اللوجستي، والرقمنة، وتطوير البنية التحتية، وتدريب الكفاءات، وتكامل القطاعين العام والخاص، سينعكس مباشرة على خفض التكاليف، وتسريع المشاريع، وجذب الاستثمارات، وتحسين توافر السلع والخدمات.
أمام سوريا اليوم فرصة لا تقتصر على إعادة بناء ما تهدم، بل تشمل إعادة بناء دورها التاريخي كحلقة وصل ومركز للنقل والتجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة. والاستفادة من هذه الفرصة تبدأ ببناء سلاسل إمداد حديثة، مرنة ومتكاملة، قادرة على تحويل الموقع الجغرافي السوري من ميزة على الخريطة إلى قوة اقتصادية على أرض الواقع.